الأربعاء, فبراير 24مترو نيوز فلسطين - الصفحة الأولى
Shadow

تـآكـل الـبـيـت الأبـيـض

بقلم / رجب أبو سرية
رغم أنه تم احتواء اللغط الذي رافق دخول دونالد ترامب البيت الأبيض، والذي دار حول “تدخل مزعوم” لروسيا في الانتخابات الرئاسية الأميركية السابقة، لصالح المرشح الذي صار رئيسا، إلا أن أداء الرجل وطريقة إدارته للبيت الأبيض ولشؤون أقوى دولة في العالم، خلال الثلاث سنوات التي مضت، يقول بشكل ليس فيه الكثير من المبالغة أو الشطط، بـأن اختياره رئيسا للولايات المتحدة، قد جاء لصالح الروس الطامحين إلى إعادة أمجاد الاتحاد السوفياتي السابق.

فقد تميز أداء ترامب بعد دخوله البيت الأبيض بالارتجال والغرابة، وجنوح الرجل نحو الفردية في الأداء، مع التركيز على البيت الأبيض كمركز قيادي على حساب مؤسسات الدولة، ومعروف أنه في النظام الرئاسي الأميركي، حيث الرئيس هو رئيس الحكومة، هناك مكانة خاصة لكل من وزارتي الخارجية والدفاع، حيث يعتبر وزيرا كلا الوزارتين على قدر من الأهمية والمكانة، وعادة ما يترقب المتابعون تعيين  الوزيرين بعد الإعلان عن الفائز بانتخابات الرئاسة .

 ولأسباب عديدة، يتقدمها جنوح ترامب للعمل الفردي، الذي يتعارض مع تقاليد العمل المؤسساتي في الدولة الديمقراطية،  فقد خرج كل من وزيري الخارجية والدفاع اللذين تم تعيينها في بداية ولاية ترامب، وكانت استقالة وزير الدفاع على خلفية، قرار ترامب المفاجئ والذي لم يستشر فيه وزارة الدفاع، بالانسحاب من سورية العام الماضي، أما وزير الخارجية السابق ريكس تيلرسون، الذي يبدو أنه كان “العاقل وسط المجانين”، فقد استقال بسبب النفوذ المتزايد والصلاحيات الواسعة الممنوحة لصهر ترامب، الشاب المراهق السياسي، وبالتحديد بسبب دوره المتجاهل تماما، ليس فقط لإرث الإدارة الأميركية في ملفات الشرق الأوسط وحسب، بل والمتجاهل لوزارة الخارجية نفسها، التي يعتبر ملف الصراع الفلسطيني/الإسرائيلي من صلب اختصاصها، بدليل متابعته من قبل وزراء الخارجية السابقين.
توالت الاستقالات والإقالات، بحيث يمكن القول إن طاقم ترامب الذي دخل معه البيت الأبيض قبل أقل قليلا من ثلاث سنوات قد تآكل إلى حد كبير، فحتى المسؤولون المتشددون الذين بدا أنهم متوافقون مع سياسات ترامب الحمقاء، أمثال نيكي هايلي المندوبة السابقة في الأمم المتحدة، والتي تجنّدت للدفاع عن السياسات الاحتلالية الإسرائيلية المتطرفة والمناهضة للشرعية الدولية، خرجت من طاقم ترامب، فيما كانت “الإقالة” المدوية أخيرا لجون بولتون، الشخصية العدوانية التي دفعت باتجاه اتخاذ قرار الحرب على العراق، وسعت مؤخراً لاتخاذ نفس القرار تجاه إيران، وتولى واحداً من أكثر المناصب أهمية وحساسية وهو مستشار الأمن القومي.
وبين كل هؤلاء، جاء خروج جيسون غرينبلات من “المركب”، الشخصية المرفوضة فلسطينيا، وهو المتذيل لكوشنير، رغم أنه هو المعين كمبعوث دائم للشرق الأوسط، على خلفية انسداد الأفق أمام صفقة القرن، التي ظل ترامب وطاقمه يبشران بها طوال الأعوام الثلاثة الماضية، وكأنهم “يعدون” شيئا لم يسبق لأحد أن أنجز مثله، فتمخض جبلهم عن فأر في المنامة، هذا “المنجز” الوهمي ظلوا يعدون له عامين ومن ثم عاماً آخر في انتظار “ترتيب” بيت نتنياهو الداخلي لإعلان الصفقة !
إن تخبط إدارة البيت الأبيض وعدم استقرار “طاقم” الحكم، يعكس تماماً قيادة ترامب الساذجة والارتجالية، وهو نفسه قال حين طلب من بولتون الاستقالة قبل أيام، بأن الرجل دفع بقرار الحرب على العراق الذي كان يعارضه ترامب، وهذا يعني بأن بولتون معروف لدى ترامب، فلمَ قام بتعيينه أصلاً ؟
ويزيد الأمر تعقيداً بالنظر إلى سياسات ترامب الداخلية التي تجاوزت العديد من الخطوط الحمراء أو تقاليد الإدارات السابقة، بإظهار عدائيته للملونين من المواطنين الأميركيين بمن فيهم نواب الكونغرس، كذلك المهاجرون، إلى حدود تكشف عن نزعة عنصرية لديه، كذلك إثارة حفيظة الدول الحليفة بتشدقه ليل نهار بعظمة أميركا التي تعني الاستخفاف بالقوميات الأخرى.
تبدو إدارة ترامب إذاً بعد ثلاثة أعوام من التخبط والارتجال في مواجهة العديد من الملفات الدولية والتراجع عن انجازات تحققت في عهد الإدارة السابقة، من مثل الاتفاق الدولي مع إيران حول برنامجها النووي، كإدارة معزولة، خسرت وما زالت تخسر الكثير من مكانتها القيادية، والتي نجم عنها بالمقابل تعزيز مكانة روسيا، ليس في الشرق الأوسط فقط، ولكن في أكثر من مكان.
فسياسة ترامب تجاه كوريا، فتحت الباب للقاء تاريخي بين الزعيم الكوري الشمالي والرئيس الروسي، ثم فتح ترامب لأبواب الحرب الاقتصادية ضد الصين، ما دفع إلى تحالف اقتصادي روسي/صيني، اعتمد العملات المحلية، الروبل الروسي واليوان الصيني، أما تدخل ترامب السافر في فنزويلا، ففتح الباب لعودة النفوذ الروسي إلى القارة اللاتينية. وعداؤه لإيران، وحتى جفاؤه لتركيا دفعا إلى ظهور علاقات بينية إقليمية خارج النفوذ الأميركي .
ثم إن عنتريات ترامب في الخليج والمنطقة عموما، والتي تركزت فقط حول الاصطفاف مع اليمين الإسرائيلي بالشد على يده الاحتلالية، ما زال يحول دون إقامة “التحالف الأمني” بين الدول العربية وإسرائيل، بحجة مواجهة إيران.
وإذا ما سقط نتنياهو أو على الأقل فشل كما هو متوقع في تشكيل الحكومة القادمة، فإن ترامب قد يجد نفسه في مهب الريح، وهو يقترب من استحقاق الولاية الثانية، حيث قد تكون ولاية واحدة له كافية لإعلان عجزه أو فشله في المهمة التي انتخب من أجلها قبل ثلاثة أعوام، وإقناع الناخب الأميركي بأن الرجل لم يكن يستحق حتى الدخول “كمتفرج” أو كسائح للبيت الأبيض، وما هي إلا أيام قليلة، وتظهر الضحكة على وجه الدب الروسي واسعة وجلية، ومعناها التأكيد على المثل الذي يقول: “من يضحك أخيرا، هو من يضحك كثيرا”، بالنظر إلى ما كان الرئيس الجمهوري الأسبق جورج بوش الأب قد أظهره في لحظة انتصاره في الحرب الباردة قبل نحو ثلاثة عقود، بددها ترامب في ثلاث سنوات فقط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.