السبت, فبراير 20مترو نيوز فلسطين - الصفحة الأولى
Shadow

غزة مقبرة الدولة الفلسطينية (4-4)

مصطفى إنشاصي

انتهت الحرب على غزة بداية 2009 ولكنها لم تنتهِ على قضية الأمة المركزية ومحاولة قبرها في غزة، وانشغل العالم أكثر بعد حرب 2008 – 2009 في الحديث عن حصار غزة وفك الحصار عنها، وتحولت المقاومة من مقاومة للتحرير إلى مقاومة لتجديد التهدئة التي لم يلتزم بها العدو أو ينفذ شروطها يوما، ومازال ينقضها متى كان له مصلحة في ذلك، ونسينا: كلما عاهدوا عهداً نقضه فريقاً منهم! وأوضاع غزة تتردى وتزداد سوءاً وتصاعدت حالة البؤس والعذاب لأهلها! وتوقفت المفاوضات بين السلطة الفلسطينية والعدو الصهيوني، واستمرت الجولات الماراثونية في حوار لا نهاية له لإنهاء الانقسام، والعقبة المحاصصة والأطماع الحزبية والشخصية، وغابت الضفة الغربية التي استباحها العدو الصهيوني اغتصاباً وتهويداً للجغرافيا والتاريخ والسكان والثقافة و… ونُسيت القدس والأقصى مع حضور أخبارهما اليومية من تهويد وحفريات واعتداءات وتقسيم زماني ومكاني وفرض الصلاة لليهود في الأقصى و… كل والصهاينة ساسة وكتاب ومفكرين يخططون لقبر الدولة والقضية الفلسطينية في غزة، وغزة فقط، ومقاومتنا العتيدة سادرة في غيها واحتفالاتها بانتصاراتها المؤزرة على غير مبالية بشيء!

دعوات صهيونية لإتمام الانفصال عن غزة

بتاريخ 14/4/2009، أي بعد انتهاء الحرب على غزة بثلاثة أشهر طالعتنا (صحيفة عكاظ) بخبر عنوانه: وزير صهيوني يطالب بالفصل المدني بين غزة والكيان، أي وقف إمداد غزة بالماء وغيره من المستلزمات ونقل المسؤولية عنها لمصر!

وبتاريخ 7/6/2010 كتب المحلل السياسي (ألوف بن) في صحيفة (هآرتس الصهيونية) مقالة بعنوان: “توصية صهيونية بإتمام الانفصال عن غزة بعد فضيحة الأسطول” جاء فيها: “قضية الأسطول” فرصة مناسبة لإتمام الانفصال عن قطاع غزة. حان الوقت أن نقطع مع بقايا الاحتلال، وأن ندع دولة حماس لنفسها. إن محاولة السيطرة على غزة من الخارج، عن طريق قائمة الطعام وقوائم البقول لسكانها، تفرض على (إسرائيل) وصمة أخلاقية قاتمة وتزيد في عزلتها الدولية. يجب على كل (إسرائيلي) أن يخجل من قائمة سلع وزارة الدفاع … حان الوقت لكي نجد للضباط والموظفين المشغولين بتحديث هذه القائمة مهمات أشد حيوية.

كيف يتم هذا؟ أن تبلّغ إسرائيل الجماعة الدولية بأنها تطرح عن نفسها كل مسؤولية عن سكان غزة ورفاهيتهم. وأن تغلق المعابر تماماً، وتهتم غزة بالحصول على إمدادات وخدمات طبية عن طريق الحدود المصرية أو عن طريق البحر. وأن يحدد أجل لقطع شبكات الماء والكهرباء. وأن تخرج غزة من “غلاف الجمارك”. وأن يكف الشيكل على أن يستعمل نقداً قانونياً هناك. وأن يصدروا أوراقاً مالية فلسطينية تحمل صورة الشيخ أحمد ياسين. وتبيّن (إسرائيل) أنها ستستعمل حقها في الدفاع عن النفس، وأنها ستفحص حمولات مريبة في عرض البحر لإحباط تهريب السلاح .. وإذا أطلقوا علينا الصواريخ من غزة فسنطلق عليهم لإصابتهم.

وبتاريخ (23/6/2010) دعا وزير صهيوني رفي وعضو في المجلس الوزاري الأمني المصغر لمراسل (إذاعة الجيش الإسرائيلي) إلى “فك الارتباط التام” عن غزة ونشر قوات دولية جاء فيها: ليس هناك سبباً للاستمرار في تزويد القطاع بالماء والكهرباء بعد (انسحاب الجيش الإسرائيلي) منه. وأقترح أن يقوم الاتحاد الأوروبي بتمويل إقامة محطات لتوليد الطاقة في القطاع، مدعياً أن هناك جهوزية واستعداد في صفوف وزراء الكابينيت والمجتمع الدولي لهذه الفكرة في أعقاب أسطول الحرية. وأضاف الوزير: إنه التقى مؤخراً مسئولين في الاتحاد الأوروبي الذين أبدوا حماساً كبيراً لهذه الفكرة، وأن ما يحبطها حتى الآن هو “الجمود في التفكير” في الطرف (الإسرائيلي). وطالب بنشر جنود من القوات الدولية (اليونيفيل) مع صلاحيات على المعابر الحدودية في القطاع، كما في لبنان، بدلاً من المراقبين الأوروبيين. ولفتت الإذاعة إلى أن مقترحات لفك الارتباط مع القطاع طرحت في الماضي لكنها تلاشت سريعاً بسبب الموقف المصري الذي يخشى أن تقع مسؤولية إدارة القطاع على مصر.

أضف إلى ذلك ما أقدم عليه العدو الصهيوني في شهري شباط وآذار/2011 من إغلاق للمعابر مع غزة وآخرها معبر المنطار (كارني)، ومن دعوته إلى إنشاء منطقة بحرية في غزة مفتوحة تزود غزة باحتياجاتها!

البرلمان الأوروبي يطالب ببناء دولة فلسطينية قابلة للحياة

أما دولة بوش الموعودة (دولة فلسطينية قابلة للحياة) التي أطلقها بتاريخ 24 حزيران/يونيو 2002 أثناء تحضيره لحملته الصليبية الثانية لاحتلال العراق! عاد الأوروبييون وليس الأمريكيين لدغدغة عواطف القيادات الصاعدة الطامحة بها ودفعها لمزيد من التنازلات والغفلة مع أحلامها! تعالوا بنا نتعرف على موصفات تلك (الدولة الفلسطينية القابلة للحياة):

 ذكر رامي عبده، عضو “الحملة الأوروبية لرفع الحصار عن غزة” في تصريح خاص بتاريخ (17/6/2010) لـ”المركز الفلسطيني للإعلام”: “إن البرلمان الأوروبي مرر قراراً يطالب برفع فوري للحصار عن قطاع غزة وفتح المعابر بما فيها ممر بحري، بأغلبية ساحقة بواقع 470 صوت مقابل اعتراض 56 صوتاً”. وتدعو بنود ومواد القرار الكيان الصهيوني إلى إنهاء فوري للحصار المفروض على غزة، الذي أدى إلى كارثة إنسانية وأصبح مصدر تهديد للاستقرار في المنطقة بأسرها. وحث القرار الاتحاد الأوربي “لاتخاذ إجراءات تضمن فتحاً دائماً للمعابر مع غزة، من بينها الميناء البحري الرئيسي في القطاع، وبمتابعة تتوافق مع المعايير الدولية، بما يتيح تسهيل عبور المعونات الإنسانية والمواد اللازمة لإعادة الإعمار والداعمة للاقتصاد المحلي وحرية الحركة للأفراد”. وطالب بتقديم خطة أوروبية إلى اللجنة الرباعية الدولية تستهدف رفعاً فورياً للحصار عن قطاع غزة مع الأخذ في الاعتبار “المطالب الأمنية لـ(إسرائيل)” من خلال مراقبة دولية على الحدود، ومن ذلك تمديد صلاحيات البعثة الأوروبية في معبر رفح، وكذلك في المياه الإقليمية للقطاع. ودعا الاتحاد الأوروبي إلى لعب دور سياسي هام للوصول إلى نتائج ملموسة لبناء (دولة فلسطينية قابلة للحياة) مع تقديم الدعم المالي والاقتصادي اللازم لها.

تلك مواصفات الدولة: أن فتح معبر رفح ووضعه تحت رقابة قوات يونفيل دولية، وممر بحري تحت رقابة أساطيل دولية خوفاً من تهريب أسلحة، ذلك خطوة لتنفيذ الاتفاق الأمريكي – الصهيوني الذي تم توقيعه في الأيام الأخيرة للحرب الصهيونية على غزة عام 2009 الذي تحول إلى اتفاق دولي لمحاربة القرصنة وتفتيش السفن في أعالي البحار خوفاً من تهريب أسلحة إلى غزة، بعد أن صرح أكثر من مسئول في حماس وفي مصر أن تهريب الأسلحة لا يتم عبر الأنفاق ولكن عبر البحر، وكان ذلك من الأخطاء القاتلة التي لم تُحسب عواقبها! والآن جاء الوقت لوضعها موضع التنفيذ وإخراجها في سيناريو انتصار عظيم حققته سفن فك الحصار عن غزة واعتراف دولي بشرعية حماس، والمسمار الأخير في نعش عودة الوحدة بين الضفة وغزة، وتكريس الانقسام، والقضاء على المقاومة، وقبر القضية وتصفيتها في الشطر الغربي (قطاع غزة) للدولة المقسومة إلى شطرين!

بعثة تقصي الحقائق وتقريرها (تقرير جولد ستون)

أثناء وبعد انتهاء الحرب على غزة علت أصوات عن حجم الجرائم الوحشي الذي ارتكبه العدو الصهيوني ضد أهلنا في غزة، وطالبت بفتح تحقيق دولي في حرب غزة. أقر مجلس حقوق الإنسان بتاريخ 12/1/2009 قراراً يدين فيه العدوان الصهيوني على غزة، واتهام (إسرائيل) بارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان فيها، وتشكيل لجنة لتقصي الحقائق هدفها “التحقيق في الانتهاكات (الإسرائيلية) ضد الفلسطينيين”، وبتاريخ 15/9/2009 نشرت البعثة تقريرها الذي اشتهر باسم رئيس البعثة (جولدستون). وللأسف على قدر ما انحازت حماس للتقرير ضد موقف السلطة الفلسطينية منه، واتهامها لطلبها تأجيل تقرير جولد ستون المنقذ للشعب الفلسطيني بإفشال المصالحة، على قدر ما كان التقرير إدانة للمقاومة وتجريم لها، واتهامها أنها ارتكبت جرائم حرب ضد المدنيين الصهاينة … وهذه مقتطفات من مقالة نشرتها في تاريخه ناقشت فيها كل مواد التقرير، وكيف أنها تمهد لتجريم المقاومة واتهامها بـ(الإرهاب)!

هدف التقرير القضاء على المقاومة

كما يعلم الجميع أن المقاومة طوال تاريخها تعتمد في حركتها وخاصة في المدن على العمق الجماهيري، الذي يشكل لها الغطاء والحماية، والقدرة على سرعة الاختفاء والابتعاد عن أنظار العدو، وللمقاومة طوال تاريخها في قطاع غزة طابعها الخاص، الذي أساسه اختفاء المقاومين وسط الكثافة السكانية، ولم يجرؤ يوماً أحد على إدانة تلك المقاومة، أو اعتبارها أعمال تخالف القانون الدولي، وأنها تتسبب في الضرر للمدنيين اليهود والفلسطينيين في آن واحد، كما فعل تقرير جولد ستون. أي أن إطلاق المقاومة الفلسطينية الصواريخ من وسط تجمعات السكان المدنيين على مناطق سكنية مدنية في الأراضي المحتلة عام 1948، سيكون جريمة حرب مزدوجة بحسب تقرير جولد ستون، لأنها ستكون تسببت في قتل أو جرح مدنيين يهود، أو تسبب لهم حالة من الرعب والخوف والفزع، وذلك اعتبره التقرير في حد ذاته جريمة حرب. كما أنها ستكون سبباً في ردة فعل جيش العدو الصهيوني بقصف المدنيين الفلسطينيين، والقيام بأعمال انتقامية ضدهم، أو عدم قدرته على إجراء التوازن بين الأهداف العسكرية والمدنية في قطاع غزة، ما يعني أن المقاومة ستتحمل الجريمتين في نظر واضعي القانون الدولي، وستصبح المقاومة ليست حقاً مشروعاً لنا، ولكنها أعمال غير شرعية، و(إرهاب) متعمد ضد المدنيين.

كما أعلن رئيس وزراء العدو الصهيوني بنيامين نتنياهو، بما يعفي العدو عند الرد على إطلاق الصواريخ من وسط التجمعات المدنية، ووقوع ضحايا مدنيين فلسطينيين من أي مسئولية جنائية، ما سيفتح الباب على مصراعيه لارتكاب العدو أبشع الجرائم وسط المدنيين بزعم أنه يرد على مطلقي الصواريخ وقذائف الهاون على تجمعاته المدنية دون الخوف من المحاسبة؟! وذلك بكل تأكيد سيكون له أثار خطيرة ولم تؤخذ في الحسبان عندما أثيرت كل تلك الضجة حول تأجيل التصويت على التقرير، قبل الاطلاع عليه، وقراءته قراءة متأنية!

وبعد: مَنْ الذي جزر القضية واختزلها من قضية شعب وأمة، قضية وطن مغتصب يجب تحريره وعودة أهله إليه، في غزة والحصار والتهدئة و… إلى أن انتهينا إلى شنطة العمادي، والآن بدأت يعلو صوت الدندنة على الإعلان عن الدولة الفلسطينية في غزة: العدو الصهيوني أم القيادات الفلسطينية والفصائلية التي أعمتها طموحاتها الفئوية والشخصية عن تجنب تلك المخاطر؟! وهل يُعذروا من تحمل مسئولية أخطائهم لسوء قراءتهم للواقع وعدم إدراكهم لأبعاد مخططات العدو؟! وإلى متى ستبقى قضية الأمة رهينة تلك المغامرات والطموحات غير الحريصة على المصلحة الوطنية؟!

لكن لا بأس فقد جهل أولئك جميعاً: أن هذه الأرض هي أرض رباط وجهاد إلى يوم القيامة وليست أرض (دويلة فلسطينية) في (حدود مؤقتة) أو (قابلة للحياة) أو في (الضفة وغزة) أو (غزة وحدها) ولا في دولتين وفي دولة واحدة! وأنها أرض لا يُعمر فيها ظالم وأن كلاً من الحكومتين أظلم من بعض! وأن فيها الطائفة المنصورة والظاهرة على عدوها إلى يوم القيامة وأن ذلك الظهور والانتصار ليس باستجداء الاعتراف من الرباعية ولا أمريكا ولا الاتحاد الأوروبي ولكن بالبندقية والمقاومة! وأنهم سواء عادوا إلى رشدهم أو أبوا فإن الله تعالى يقول: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ) (الرعد:17). لذلك نحن على يقين من اقتراب النصر وزوال الكيان الصهيوني ولكن ليس على أيديهم!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.